إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
274
زهر الآداب وثمر الألباب
فقال : إنما الشاعر المطبوع كالبحر : مرة يقذف صدفه ، ومرة يقذف جيفه « 1 » . [ تفضيل السواد ] وقد تناول هذا المعنى أبو الحسن علىّ بن العباس الرومي من أقرب متناول فقال وكشفه بأوضح عبارة - في صفته لجارية أبى الفضل عبد الملك بن صالح السوداء بعد أن استوفى جميع صفاتها وكان قد اقترح عليه وصفها : وصفت فيها الَّذى هويت على ال وهم ولم نختبر ولم نذق إلَّا بأخبارك التي رفعت منك إلينا عن ظبية البرق « 2 » حاشا لسوداء منظر سكنت ذراك إلا عن مخبر يقق « 3 » وهذه الأبيات من قصيدة له وصف فيها السواد ، واحتجّ بتفضيله على البياض ، حتى أغلق فيه الباب بعده ، ومنع أن يقصد فيه أحد قصده ، إلَّا كان مقّصر السهم عن غرض الإحسان . وقد نبّه علي بن عبد اللَّه بن العباس [ المسيب على ] فضائلها ، وأجاد التشبيه ، وكشف عن وجوه الإبداع ، وضروب الاختراع وقد مدح الناس السواد والسّود فأكثروا ؛ فمن جيذ ما قالوا فيه قول أبى حفص الشطرنجى : أشبهك المسك وأشبهته قائمة في لونه قاعده لا شكّ إذ لونكما واحد أنكما من طينة واحده فأخذ ابن الرومي هذا المعنى ، وأضاف إليه أشياء أخر توسعا واقتدارا ، فقال : يذكرك المسك والغوالى والسّكّ ذوات النسيم والعبق « 4 »
--> « 1 » يريد أن الشاعر المطبوع له سقطات ، ومن هنا كانت سقطات المتنبي مثلا فاضحة ؛ لأن الإجادة المطلقة فوق طاقة الإنسان ، وقد يطرد هذا الحكم في كثير من نواحي الحياة الإنسانية . « 2 » البرق : جمع برقة - بالضم - وهي مكان تكثر فيه الظباء « 3 » يقق : ناصع البياض « 4 » السك : نوع من الطيب - والعبق ، بفتح العين والباء جميعا ، طيب الرائحة ( م ) .